“جرائم النشر وابرز الاشكاليات في تطبيقها”





بعد عام 2003 علق الحاكم الاداري لسلطة الائتلاف العمل بأغلب المواد المتعلقة بجرائم النشر الواردة في قانون العقوبات رقم 111 لعام 1969 الا ان الحكومة العراقية المؤقتة اعادت العمل بها, مع الإشارة الى ان اقليم كردستان الغى معظم المواد المتعلقة بالنشر الموجودة في قانون العقوبات لعدم مواءمتها للنظام الديمقراطي وكبتها للحريات وعدم وضوح اغلب نصوصها وسنوضح ابرز الاشكاليات فيها كالاتي :

الفصل الثالث من قانون العقوبات (المسؤولية في جرائم النشر) المواد من ( 81 – 84 )

يلاحظ في هذه المواد انها جعلت من الاستثناء قاعدة ومن القاعدة استثناء فبمراجعة بسيطة لتلك المواد ستجد ان المشرع اراد ان يقول ان أي نشر يمكن ان يعتبر جريمة والاستثناء عكس ذلك فمساحة الحرية في النشر  بناءً على تلك المواد تكاد تكون معدومة وسنتناولها بالتدريج:

  • المادة 81  والمادة 82 والمادة 83  تخرق هذه المواد المبدأ الدستوري القاضي بلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني , فلم تبين المواد ما هي الجرائم التي ترتكب بواسطة الصحيفة لكي تعاقب وفق القانون.
  • المادة 84 تسمح هذه المادة بشكل صريح بالاعتداء على الاعلامي وادواته بالضبط والمصادرة, كما انها تنص بصريح العبارة بالتشهير بنصها بالجواز للمحكمة بنشر ملخص الحكم بصحيفتين على نفقة المحكوم.

اضافة للفصل الثالث من قانون العقوبات توجد مواد قانونية اخرى متفرقة لها علاقة بالأعلام والنشر:

المادة 210 والمادة 211: تنتهك هاتين المادتين الحق في حرية النشر باستخدامها مصطلحات مطاطة يمكن تطبيق أي فعل عليها كمصطلح (تكدير الامن العام, القاء الرعب) كما ان الكثير من الافعال المذكورة بالمادة لا تعلو لتكون عقوباتها جنائية بل يكفي بان تكون عقوباتها مدنية او ادارية.

المادة 225 من القانون فرضت عقوبة الحبس لمن اهان رئيس الجمهورية او من يقوم مقامه  والمادة 226 شددت العقوبة للسجن لمن يهين الحكومة او مجلس النواب او المحاكم او القوات المسلحة او غير ذلك من الهيئات النظامية او السلطات العامة او المصالح او الدوائر الرسمية او شبه الرسمية، هذه المادة يمكن ان تجرم أي فعل يخص رئيس الجمهورية لان مصطلح الاهانة مصطلح غير محدد.

جرائم السب والقذف:

عرفت المادة 433 القذف بانه: إسناد واقعة معينة إلى الغير بإحدى طرق العلانية من شأنها لو صحت ان توجب عقاب من أسندت إليه أو احتقاره عند أهل وطنه.

وقد عرفت المادة 434 من قانون العقوبات السب: بانه رمي الغير بما يخدش شرفه او اعتباره او يجرح شعوره وان لم يتضمن ذلك اسناد واقعة معينة.

واعتبرت المادة 19 فقرة 3 ج الصحافة والمطبوعات الاخرى وغيرها من وسائل النشر احدى وسائل العلانية التي اعتبرها المشرع في جريمة السب ظرفا مشددا،  ويلاحظ في تلك المواد ان النص غير واضح وقياس احتقار اهل الوطن فيما يتعلق بجريمة القذف صعب ويعتبر نصاً مطاطيا يمكن ان يجرم أي فعل قد لا يدخل باطار جريمة القذف، وهو ايضا ما ينطبق على مصطلح الشرف او جرح الشعور التي شدد المشرع العقوبة عليها فهي مصطلحات غير واضحة

تطبيق المواد في المحاكم:

بعد التطرق الى مواد جرائم النشر وملاحظة جسامة بعض العقوبات الواردة فيها اضافة الى عدم وضوح الجرائم ومخالفتها للدستور في البعض الاخر… سنتطرق الى بعض الجوانب العملية المتبعة في المحاكم في التعامل مع جرائم النشر بعد 2003…

من 2003 الى 2010 لم تكن جرائم النشر واضحة للعموم فلم يكن انتشار استخدام الانترنت كما هو اليوم اضافة الى كثرة وسائل الاعلام وهذا ما انتبه اليه مجلس القضاء الاعلى فشكل في العام 2010 محكمة النشر والاعلام والتي نص قرار تشكيلها من قبل مجلس القضاء الاعلى  على الاتي: (تقديرا لكافة أعضاء السلطة الرابعة من الإعلاميين والصحفيين قرر مجلس القضاء الأعلى تخصيص محكمة في رئاسة استئناف الرصافة تتولى النظر في الشكاوى والدعاوى المتعلقة بالأعلام والنشر في جانبيها المدني والجزائي وخصص لهذه المحكمة قاضيا متمرسا وعلى دراية تامة بدور رجال الصحافة والأعلام مقامة ومكانتهم الاجتماعية على أن يتم التعامل معهم بما يتناسب مع هذه المكانة لوجود شكاوى من قبلهم أو ضدهم)، ثم اعلن مجلس القضاء الأعلى نهاية عام 2016عن تشكيل محاكم جديدة متخصصة لقضايا النشر والإعلام في ثلاث رئاسات استئناف في محافظات البصرة وبابل وكركوك.

وحدد الاختصاص النوعي للمحكمة بموجب بيانه المرقم 11 بتاريخ 11/7 /2012 وبين بانها تنظر في جميع القضايا المتعلقة بالصحافة والنشر من الناحيتين المدنية والجزائية، أي انها تتناول الجرائم المنسوبة للصحفي والمتعلقة بعمله واستمر العمل في محكمة النشر والاعلام لغاية عام 2016 عندما ألغى مجلس القضاء الأعلى عددا من المحاكم المتخصصة التي تشكلت للنظر في دعاوى معينة وبضمنها محكمة النشر والاعلام واناط قرار الالغاء اختصاص النظر في دعوى المحاكم الملغاة إلى المحاكم حسب الاختصاص الوظيفي والمكاني.

 وبناء على القرار تم احالة جميع الدعاوى التابعة للمحافظات والتي تخرج عن الاختصاص الوظيفي والمكاني الى المحاكم المختصة في المحافظات التي تتبع لها تلك الدعاوى.

وبذلك تحولت الدعاوى في اختصاصات الصحافة والاعلام الى دعاوى عادية، وهو ما شكل انعطافة جديدة لحرية الصحافة والاعلام في العراق حيث سنبين في الجول ادناه المخاطر التي ترتبت على الغام محكمة النشر والاعلام :

بوجود محكمة النشر بعدم وجود محكمة النشر
وجود قاضي مختص في البداءة والتحقيق والجنح وكان على دراية كاملة بمواقع التواصل الاجتماعي وتفاصيلها. القاضي غير مختص فهو ينظر جريمة النشر كأي جريمة اخرى وبعض القضاة ينظر جريمة لها علاقة بالفيس بوك وهو لا يملك فيس بوك
اقتصر التكييف على جرائم السب والقذف التي لا تتعدى عقوبتها الـ6 اشهر وبكلا الاحوال لم يتم حبس اي شخص على جريمة نشر فمعضم الاحكام كانت تصدر اما بوقف التنفيذ او بالغرامة. اصبح التكييف اشد من قبل القضاة الغير مختصين فاصبحنا نشاهد تكييف على تكدير الامن العام وغيرها التي قد تصل عقوبتها الى ال15 سنة وهو ما يبين خطورة وجود مواد جرائم النشر .
لم تسجل محكمة النشر والاعلام اي حالة توقيف لصحفي او مواطن عادي على جريمة لها علاقة بالنشر. خلال العام الماضي تم توقيف صحفي لمدة يومين بسبب منشور وهمي على الفيس بوك وغيرها من حالات التوقيف .
لم تكن محكمة النشر تحيل القضايا للتحقيق بها في مراكز الشرطة فكل اجراءات التحقيق والمحاكمة كانت تتم داخل مجمع محاكم استئناف الرصافة وهو ما يجنب الصحفي والمواطن دفع رشى مالية في بعض مراكز الشرطة اضافة الى مراعاة الوضع الاجتماعي لبعض الاعلاميات اللواتي من الصعب عليهن دخول مراكز الشرطة. اصبح التحقيق في جرائم النشر يتم في الغالب بمراكز الشرطة وهو ما يعرض الصحفي لكثير من المضايقات قد يضطر بها احيانا الى التنازل عن الكثير من حقوقه في الدعاوى الكيدية مقابل ان تتنازل الجهة التي اقامت الشكوى .
لم تعتبر محكمة النشر جريمة النشر كسابقة جزائية فلم تكن تطلب بصمة ابهام الصحفي . تشترط محاكم التحقيق العادية بصمات الابهام لاكمال التحقيق .
امتازت المحكمة بخبرائها التقنيين منهم والاعلاميين فكانت هناك وحدة الحاسبة التي يتميز المجودين فيها بمعرفتهم بمواقع التواصل وسرعة اجراءاتهم بفحص الادلة قبل اتلافها . لا تملك الكثير من المحاكم العادية خبراء مختصين وتحيل كل طلباتها للادلة لوزارة الداخلية وهو ما يؤخر عملية التحقيق ويضيع الكثير من الادلة .
بوجود محكمة النشر يسهل على الباحثين والمنظمات اجراء البحوث والدراسات واحصاء القضايا والدفاع عنها بوجود محكمة واحدة . اصبح من الصعب على الباحيثن احصاء الدعاوى والشكاوى الخاصة بالاعلام لتوزعها على المحاكم العادية .

لذا وبناء على ما جاء في البحث اعلاه نتطلع اضافة الى تعديل مواد جرائم النشر التشجيع على وجود محاكم مختصة بالنظر في الدعاوى الخاصة بالنشر والاعلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *